منوعات

الغائب والحاضر في (الغائب الحاضر) لحميد الكفائي


في الروايتين، لم يبتعد الكاتب عن أجواء ريف الجنوب العراقي، ففي “عابر حدود” اختار قرية سمّاها (ميمونة)، وفي روايته الجديدة “الغائب الحاضر” اختار قرية سمّاها (رملة) وهما منطقتان متشابهتان من حيث البيئة والاقتصاد والحياة الاجتماعية. فالناس في تلك المناطق الريفية يولدون (على بركة الله، ويحيون ويتزوجون وينجبون على بركة الله. يعيشون معتمدين على منتجات الأرض والحيوانات، متكيفين مع البيئة التي تقسو عليهم أحيانا وتنصفهم أحيانا أخرى. تتحكم في حياتهم الطبيعة القاسية وعادات وتقاليد رسخت بمرور الزمن واعتقدوا فيها وقدسوها ولم يتحدوا صحتها أو نفعها لهم إلا نادرا)، “عابر حدود، الطبعة الأولى ص9”.

لكن الروايتين مختلفتان من حيث اختلاف الأحداث واختلاف سير أبطال الروايتين، رغم أن البناء الدرامي في الروايتين متشابه، فهو يعرض سِيَّر أبطال الروايتين ضمن سياق اجتماعي تتحكم فيه العادات والتقاليد ليوضح حجم القهر الذي تسبِّبه هذه العادات لأبطال الرواية. والروايتان تتشابهان في موضوعة ترك الريف وتقاليده للعيش في المدينة وتبني سلوكها المديني، (فصالح يوسف) بطل رواية “عابر حدود” ترك (ميمونة) إلى (بغداد) ليغير مسار حياته تماما، كذلك فعل (ناظم مطشر) بطل رواية “الغائب الحاضر” حيث استقر به المقام في بغداد ليعيش حياة أخرى مختلفة عن حياة الريف، وكأن المؤلف يريد أن يقول لنا: أن لا أمل يلوح في الافق يؤدي إلى تحسين أوضاع الريف العراقي، ولا فكاك من الخضوع لقيمه البالية إلا بترك الريف والعيش في المدينة.

وإذا كان المؤلف ركز في روايته الأولى “عابر حدود” على معاناة النساء في الريف، فإنه في روايته الثانية “الغائب الحاضر” سلط الضوء على مختلف شرائح المجتمع التي عانت من قسوة العادات المتخلفة ومن الإرهاب والحصار والحروب.

في “الغائب الحاضر” عرض المؤلف صورة واضحة ومجسدة لحياة الناس في قرية (رملة)، وهي تصلح أن تكون نموذجا لباقي قرى الريف الجنوبي، لذلك تبدو الرواية وكأنها دراسة ميدانية اجتماعية عن الريف الجنوبي في العراق، ولقد برع الكفائي في تصوير المجتمع الريفي حتى بدت الرواية (وكأنها فلم تسجيلي) يصور حياة الريف العراقي على حد وصف الدكتور محمد رياض العشيري.

ولأنها كذلك فقد ازدحمت الرواية بالنقاشات والجدل حول الدين والعادات والتقاليد، فهذه هي طبيعة العراقيين: منشغلين في نقاش ونقد كل شيء. لقد حرصت الرواية على تصوير هذا الجانب (الجدل في العراق) من خلال تسجيل نقاشاتهم المتعارضة حول العادات والتقاليد والمفاهيم الدينية المبتذلة، وكذلك المواضيع السياسية كإرهاب السلطة وإجبار الناس على الانتماء لحزب البعث وعسكرة المجتمع ومواضيع الحرب والحصار والاعتقالات العشوائية، والانقسامات الاجتماعية، بل إن النقاش والجدل يحصل حتى أثناء خطبة امرأة أو دفن ميت.

ورغم أن مواضيع الحوارات في الرواية هي نقاشات وجدل حول مواضيع اجتماعية ودينية وسياسية، يفترض بها إضعاف البناء الدرامي، إلا أن الكفائي عرضها بانسيابية لتكون جزءا من مشهد حياتي حي، فهي تنقل بمهارة واقع الحياة في العراق المشبع بالنقاشات والجدل الذي يطغى عليه أحيانا الأسلوب الخطابي أو التعليمي.

 البناء الدرامي للرواية

(لم يتبع المؤلف نموا تقليديا لشخوص روايته فبدا نصه أشبه بساحة تدخل فيها شخوص وتخرج أخرى مما يجعلنا نعتقد أنه أراد تقديم روح ذلك المجتمع وشجونه الكثيرة المتشابكة، أكثر من الوقوف عند مصائر عائلة واحدة أو شخصية محورية واحدة، مع أنها حاضرة وبارزة، وهي شخصية (ناظم مطشر)، (الروائي إبراهيم أحمد). وهذا الوصف دقيق جدا. فرغم أن البناء الدرامي تتبع سيرة حياة (ناظم مطشر)، بطل الرواية، ابتداء من موت أمه وزواج أبيه بامرأة ثانية (رابعة)، التي قلبت حياة ناظم وأختيه إلى جحيم يدفعه إلى الفرار واللجوء إلى بيت (السيد حاضر) في منطقة (رملة) لمدة خمسة عشر عاما، يقرر بعدها العودة إلى أهله في (الحلة)، فيتعرف في طريق عودته على الحسناء (جميلة) التي تجعله يراجع مسار حياته ويحدد مسارا جديدا لها، كي يحظى بالزواج منها، وانتهاء باستقراره في بغداد ومشاركته بحفل زفاف جميلة لشخص آخر، إلا أن الرواية صوَّرت سيرة منطقة (رملة) أكثر من تصويرها لسيرة بطل الرواية (ناظم مطشر)، حتى وأنك منهمك في قراءة الرواية، تنسى حكاية (ناظم مطشر) لتتابع حكاية شخص آخر، كحكاية أولاد (سيد حاضر) وحكاية (حامد) و(جبار) و(رشيد) و(صبرية الفصلية) و(أولاد شناوة) المعدمين وحكاية مقتل (عاصي) بدوافع الثأر لإهانة أحد أقرباء عاصي للقاتل (هوِّل) إهانة لفظية بسيطة.

قصص كثيرة تزدحم بها الرواية، وهي قصص لا علاقة لها بحياة بطل الرواية (ناظم) بل لها علاقة بحياة (رملة) خاصة وحياة العراقيين عامة.

وهذه القصص التي رواها لنا (ناظم) نفسه بعد أن شاهدها أو سمع عنها كان الهدف من ذكرها ليس لعلاقتها بالحبكة الدرامية أو بحياة (ناظم) بل لإعطاء صور مفصلة عن حياة الناس في الريف الجنوبي وتأثير القيم البالية عليهم. فالمؤلف مثلا خصص ما يقارب العشرة بالمئة من روايته للحديث عن سيرة حياة (حامد) لأنه يمثل النوع المختلف في (رملة).

من خلال قصص الناس في رملة نتعرف على طبيعة الناس ونوعية وعيهم وأسباب فقرهم وجهلهم وتوحشهم وغضبهم السريع الذي يدفعهم لقتل أقارب المغضوب منه. فهم (ليس في حياتهم شيء ذو قيمة يمكن ان يفتقدوه)، (الغائب الحاضر ص81)، كما أنهم متيقِّنون من دعم العشيرة لهم وحمايتهم وإفلاتهم من العقاب.

ولأن العمل هو أساس التطور فإن الرواية تعرض عدة نماذج ريفية من حيث نظرتها للعمل وحيازتها لوعي مخالف للمألوف ويقارنها بنماذج تمثل الكسل والسائد المألوف.

فنموذج المعدان (عائلة ناظم مطشر) الذين يسكنون في أطراف (الحلة) المنهمكين بالعمل المنتج، يقابله نموذج سكان (رملة) الكسالى المحتقرين لأغلب الأعمال.

ونموذج (حامد) و(جبار) المزارعيْن النشيطين في (رملة) ومحيطها، يقابله نموذج (شناوة) المعدم الكسول، الذي يخلف اثني عشر طفلا لا يجدون شيئا يأكلونه غير ثمار الخرنوب البري.

وعلى صعيد الوعي توضح الرواية أن الريف العراقي، رغم فقره وتخلفه، فهو لا يخلو من نماذج واعية، فيقدم لنا نموذج سيد حاضر الذي يرفض الطائفية والعادات البالية ويحاول توعية الناس.

تؤكد الرواية أن الغلبة في الصراع الاجتماعي في الريف، وربما في العراق كله، هي للقديم المألوف.

فالمعدان رغم نشاطهم الاقتصادي النافع في أنحاء العراق، فإن المجتمع ينظر إليهم نظرة دونية، ولم يستطع نشاطهم الاقتصادي الحيوي وما يملكون من ثروات من تغيير نظرة المجتمع إليهم.

وحامد، المزارع النشيط، يتعرض إلى تهكم أهل القرية. وسيد حاضر، رغم مركزه الديني والاجتماعي المرموقين، لا يستطيع فرض أي أمر بعيدا عن الأعراف البائدة. ولذلك يرضخ لإرادة العشائر في قضية مقتل (عاصي) ويوافق على تقديم أربعة نساء لعشيرة المغدور (عاصي)، رغم أنه يكرر على مسامعهم أن هذا الحكم لا يرضي الله ورسوله.

كذلك ففي كل النقاشات التي تجري بين المشكِّكين بسلامة العادات والتقاليد وبين المدافعين عنها ينتهي الأمر إلى لا شيء ويبقى كل شيء على حاله في (رملة) فالعادات قاهرات.

 العمل والقيم البدوية

المجتمع الريفي يشبه المجتمع البدوي كثيرا، فأغلب عاداته بدوية فهو كالمجتمع البدوي يحتقر العمل اليدوي ويستنكف من الكثير من الأعمال، كزراعة الخضروات والحياكة وصيد الأسماك لغرض بيعها، فإنه صار بمرور الزمن يفتقد إلى الكثير من المهارات والخبرات التي تحتاجها الحياة، فأصبح، بالضرورة، مجتمعا فقيرا جاهلا عاطلا عن العمل، رغم أن بيئته الزراعية يمكن ان توفر له حياة كريمة. ورغم أن قانون الاصلاح الزراعي منح الجميع تقريبا قطع أراضٍ صالحة للزراعة، غير أن الكسل وانعدام الخبرة ساهما باتساع ظاهرة الفقر المدقع بين أكثر أفراد المجتمع.

ولأن الانسان الريفي فقير معدم، فإن فقره جعله مستسلما للخرافات، فهو مثلا لا يفكر بمراجعة الطبيب لأنه يؤمن بقدرة السادة والأولياء على شفائه. وحتى في حالة إقناعه بضرورة مراجعة الطبيب، فإنه لا يفعل لأنه لا يملك أي مال، فيلجأ إلى المشعوذين وأصحاب (الكرامات) لأن خدماتهم شبه مجانية.

الفرار

الفرار واللجوء الى مكان آمن، الذي هو محور رواية “الغائب الحاضر”، تطرحه الرواية كأمر سلبي لا يجب اللجوء اليه هربا من المشاكل.

فـ (ناظم مطشر) أضاع من عمره خمسة عشر عاما، وهي سني لجوئه في بيت (سيد حاضر)، دون أن يحقق أي شيء. فعلى الصعيد الشخصي لم يحقق (ناظم) أي شيء مفيد سوى الاستمرار في الحياة. وعلى الصعيد الاجتماعي ظل (ناظم) غريبا عن المجتمع وعاداته ومشاكله، فكان مجرد شاهد (حاضر) في الأحداث، (غائب) عن التأثير فيها. لذلك ظل (ناظم)، وهو يستعيد شريط حياته، يتساءل: ماذا لو كان شجاعا ولم يهرب من المواجهة؟ وهل كان أختاه ستلقيان نفس المصير المؤلم لو لم يهرب، و(لماذا لم أتمكن من التوصل إلى حل لمشكلتي بحكمة كما فعلت جميلة)، وماذا سيكون مصيره لو لم تحتضنه عائلة كريمة واعية هي عائلة (سيد حاضر)، ثم ماذا لو لم يقابل الحسناء (جميلة) صدفة؟

و(جميلة) هذه التي ساقتها الأقدار بطريقه هي نموذج يمثل النقيض النوعي (لناظم). فهي رغم وضعها الضعيف كامرأة ريفية، إلا أنها لم تهرب من المواجهة، وتحدَّت محاولة إرغامها على الزواج بابن عمها، واستخدمت عقلها وإرادتها للتخلص من هذا الزواج وتحقيق طموحها بدراسة الطب. وهذا النموذج النسوي النادر جعل ناظم يتساءل: (كيف يمكن أن يشق المرء طريقه نحو المستقبل وهو صغير قليل الخبرة؟ لماذا لم أتمكن أنا من شق طريقي نحو حياة مثمرة قبل أن ألتقي بجميلة؟) ص399.

وفي موضوعة الفرار، تناولت الرواية فرار العراقيين من العراق بأعداد كبيرة، ابتداء من ثمانينيات القرن الماضي.

فالهاربون من العراق مروا بنفس المراحل التي مر بها (ناظم). فالطريق إلى بلدان اللجوء هو السير إلى المجهول، وهو مليء بالمخاطر والقهر والذل. وبعد الوصول إلى بلد اللجوء، تواجه اللاجئ مشكلة عدم القدرة على الانسجام مع المجتمع (فلا هم سعدوا بالهجرة وانسجموا مع المجتمعات الغربية في بلدان المهجر ولاهم صمدوا في بلدانهم وحاولوا تطويره وأرضوا ضمائرهم. ظلوا يعيشون بأجسادهم في البلدان الجديدة، لكن أرواحهم وضمائرهم ظلت حبيسة في الوطن) (الغائب الحاضر ص324).

وتلمح الرواية في أكثر من مكان إلى أن الدولة والعائلة والمجتمع لا يسعون إلى توجيه الفرد إلى سبل النجاح، وأغلب الناجحين نجحوا بجهود شخصية بعد أن خدمتهم الصدف.

فالصدفة وحدها قادت (ناظم مطشر) إلى بيت (سيد حاضر) وابنه (الوسيم) ليلقى رعاية جيدة. والصدفة وحدها جمعت بين (ناظم) و(جميلة)، ولولا هذا اللقاء لاختلف مصير الاثنين. وحتى لقاء (ناظم) بأخته الهاربة (إقبال) تم بالصدفة.

حياة العراقي هي مجموعة صدف يغيب عنها التخطيط والتوجيه في أغلب الاحيان، هكذا تقول الرواية.

من الصعب ترك أي صفحة في رواية “الغائب الحاضر” دون التعليق عليها. لأن صفحات الرواية الـ 415 صفحة كلها تستحق التوقف والتمعن لما تطرحه من صور اجتماعية ومبادئ وسِيِّر وآراء. ولكن الأصعب هو الخوض في تفاصيل رواية طويلة مليئة بالقصص والنماذج البشرية المختلفة في مقال عابر مهما كان طويلا. ويعجز أي نقد أو إيجاز عن التعويض عن قراءتها الممتعة.




Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى