منوعات

السيد “زركش” وتابعه “لطيف”.. وسقوط الحائط الرابع


هذه التركيبة الإنسانية التي ابتدعها الكاتب الألماني برتولد بريخت، ألا تنطبق على السيد نجيب زاهي زركش وتابعه لطيف التي نتابعها في المسلسل الذي يلعب بطولته يحيى الفخراني، وتؤكد تتراته إنه من تأليف وسيناريو وحوار عبد الرحيم كمال؟!

هذا ما يحيلنا إلى فكرة أو قضية الاقتباس، فما لا شك فيه أن كمال قد استهوته الفكرة العامة لمسرحية بريخت، بل والأسلوب الذي اشتهر به الكاتب الألماني، الذي قدم معظم إبداعاته في ظل الحكم النازي، وهو أسلوب سقوط الحائط الرابع أو سقوط الإيهام، حيث يقوم الراوي في المسرحية بمخاطبة الجمهور مباشرة، والتعليق على بعض الأحداث، أو تحليل الحدث من وجهة نظره وكأنه يلفت انتباه الجمهور لما يريد أن يقوله المؤلف، أو المغزى خلف تصرفات بعض شخصيات الرواية!

هل هذا يعتبر عيبا أو خطيئة ارتكبها مؤلف مسلسل نجيب زاهي زركش؟

بداية لقد سبق لكمال أن استوحى مسرحية “الملك لير” لشكسبير وقدمها مع الفخراني في المسلسل البديع “دهشة”، فهل كان “دهشة” -وهو اسم القرية التي دارت فيها أحداث المسلسل المصري- صورة مطابقة من “الملك لير”؟ بمعنى آخر هل يخلو المسلسل المصري من لمحات إبداع وابتكار أضافها كمال لفكرة شكسبير التي تقوم على جحود الأبناء وتنكرهم لعطاء والدهم، بل وإهانته في سنوات شيخوخته وطرده من أملاكه؟

سوف نجد الكثير من التشابه، لكن أيضا هناك الكثير من الاختلاف الذي يناسب البيئة المصرية، ويجعل الشخصيات وكأنها قادمة من عمق صعيد مصر بتركيبات شخوصه وتقاليده وعاداته وصراعاته أيضا!

الاقتباس عمل إبداعي يتأثر بعمل إبداعي آخر يسبقه في الظهور، ويمكن تقديم نفس الفكرة بعشرات المعالجات الدرامية.

أسطورة “بيغماليون” الإغريقية التي تعود لعدة آلاف من السنين قبل الميلاد، حولها الكاتب الأيرلندي الساخر “برنارد شو” الذي عاش في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات العشرين، إلى واحدة من أروع المسرحيات “سيدتي الجميلة” التي تم اقتباسها عده مرات وقدمت في مسرحيات وفيلم سينمائي شهير لعبت بطولته أودري هيبورن وريكس هاريسون، وحقق نجاحا مذهلا.

كما تحولت إلى مسرحية مصرية قام باقتباسها وإضافة إبداعه الخاص لها كل من بهجت قمر وسمير خفاجي، ولعب بطولتها فؤاد المهندس ورفيقة رحلته الفنية وزوجته شويكار، وكانت المسرحية ولا زالت علامة فارقة في تاريخ المسرح الاستعراضي الكوميدي المصري.

وإذا كنت قد شاهدت الفيلم الإنجليزي أو المسرحية المصرية وقرأت النص الأصلي، فسوف تكتشف أن هناك خطوطا عريضة مشتركة، في كل ما قدم عن الأسطورة اليونانية القديمة، لكنك سوف تكتشف أيضا أن هناك فروقا جذرية بين كل عمل على حدة.

تلك الفروق هي مساحة إبداع كل مؤلف أو كاتب تناول أو اقتبس من النص الأصلي، إذا الاقتباس ليس جريمة فنية، لكنه عمل يحمل قدرا من الإبداع والسمات الخاصة لكل مبدع، تأثر بدرجة ما بنص سابق، والفرق أن الأخلاق المهنية والموضوعية تحتم ذكر النص الأصلي في كل حالة اقتباس، وهو أمر يغفله أحيانا سهوا أو عن عمد بعض الكتاب المصريين والعرب.

نجيب زركش “يحيى الفخراني” ثري عجوز يعيش في قصر منيف، ورث ثروته عن آبائه وأجداده، لا يجد حاجة للعمل ويقضى وقته في متعة متصلة، لا يحب أن تزعجه هموم الحياة، لذلك فقد اتخذ قرارا بعدم الزواج وتحمل المسؤولية، لكنه في نفس الوقت مغرم بالنساء، ورغم حرصه على عدم الارتباط بإمراه واحدة فإنه سمح لشفيقة “هاله فاخر” أن تعيش معه في قصره لمدة 30 عاما.

كانت شفيقه من الذكاء أن تبتعد تماما عما يزعجه، وتدير له حياته وتشرف على جيش الخدم الذي يعمل في قصره، لكنها لم تكن تقترب من “طريف”، محمد محمود، الخادم والسائق الخاص بنجيب زركش وكاتم أسراره ونديمه في ليالي السكر.

“طريف” يكاد يكون الشخص الوحيد المسموح له بالاقتراب من نجيب، وهو معتاد على تقلباته المزاجية، فهو يسكر إلى حد الثمالة في الليل، ويغدق بكرم شديد على لطيف وغيره، فإذا ما أفاق من حاله السكر تحول إلى شخص لا يمكن احتماله.

نقطة البداية في المسلسل تحدث عند شعور شفيقة بدنو أجلها، فتلح على نجيب بالزواج منها، وتستغل ساعات سكره واستعداده للاستجابة لأي تصرف طيب، فيتزوجها، وبعدها بلحظات تخبره بسر كانت تخفيه طوال الثلاثين عاما التي عاشت فيها في قصره، أن لها 3 أبناء، أحدهم هو ابنه شخصيا. وعليه أن يبحث عن الثلاثة ويرعاهم وعليه أن يعرف من منهم ابنه.

بعد وفاة شفيقة يحاول نجيب تجاهل ما قالته، ويعتبر من تخاريف الشيخوخة وسكرات الموت، لكن “طريف” الذي يكون أحيانا ضميرا يقظا لنجيب يؤكد له أن ما قالته شفيقة حقيقي، وأنها أنجبت فعلا 3 ذكور أصبحوا في سن الشباب وأنهم يعملون في بعض ممتلكاته.

وتصبح أزمة نجيب زركش التعرف إلى الشبان الثلاثة، وبالتالي معرفه من منهم من يصلح أن يكون ابنه، من دون اللجوء للأساليب التقليدية وإجراء تحليل الـDNA على اعتبار أن ابنه لا بد أن يكون أقربهم لنفسه ولصفاته ومزاجه الخاص.

حلقات المسلسل رحلة هذا الثري العجوز من أجل التعرف إلى ابنه، رغم أنه عاش حياته رافضا تحمل أي مسؤولية، فإذا به يجد نفسه منغمسا في مشاكل 3 من الشباب، أحدهم ابنه الحقيقي.

المسلسل الذي أخرجه شادي الفخراني يعتمد على روعة الحوار وبعض الجدل الفلسفي، ويقوم طريف بأداء دور الراوي والمعلق على الأحداث، فنراه يخاطب الكاميرا مباشرة شارحا أو معلقا على ما نتابعه من أحداث.

الكوميديا الساخرة هي الأسلوب الذي انتهجه كمال في تقديم شخصياته، والأحداث التي تقابلها وتتفاعل معها، ربما يبدو الأسلوب غير معتاد في دراما رمضان، لذلك فإن نوعا خاصا من الجماهير هو الذي يتابعه بشغف، رغم أنه يضم مباراة ممتعة في الأداء بين العملاق يحيى الفخراني والفنان محمد محمود الذي قدم عشرات الأدوار المهمة، لكنها لم تصادف نجاحا مثل ما قدمه في شخصية “لطيف”.




Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى