منوعات

طارق الشناوي يكتب: “موسى” يقرأ جيداً “شفرة ” الجمهور


الأحداث  الدرامية تجري  في مرحلة الأربعينيات أثناء الحرب العالمية الثانية. مصر أصبحت وبدون إرادتها  طرفاً في هذه الحرب، بينما هي “شاهد ما شفش حاجة”  في هذا الصراع العالمي؛  وذلك بسبب توقيعها “معاهدة 36″، صحيح أنها كانت  في تلك السنوات دولة نظرياً مستقلة، ولكن  فيما يتعلق  بأي اعتداء خارجي فإن بريطانيا تصبح هي صاحبة القرار.

وهكذا صارت مصر  تابعة في قرارها للتوجه البريطاني، وانحازت  إلى جانب قوات الحلفاء، بريطانيا وفرنسا، ضد المحور  ألمانيا وإيطاليا ، هذا لم يمنع أيضاً من تواجد أصوات تردد “عدو عدوي صديقي”، أي أنهم انحازوا  لألمانيا، ليس حباً فيها ولكن كُرهاً في بريطانيا .

قررت بريطانيا تجنيد أكبر عدد من المصريين للانضمام إلى جيوش الحلفاء، ويبدأ الصدام الأول بين  بطل المسلسل “موسي” الذي يؤدى دوره محمد  رمضان، عندما يحاول إنقاذ شقيقه الذي يعاني من إعاقة ذهنية وجسدية،  يريد أن يلتحق   بالجيش بدلاً منه،  إلا أن  السلطات البريطانية ترفض تلك المقايضة .

لم يستند الكاتب ناصر عبد الرحمن إلى أحداث حقيقية، ولكن تستطيع أن تصف المسلسل بأنه يقف على حدود الملحمة، يتكئ في كل تفاصيله على  الخيال، الشخصيات بها فقط وميض من الحقيقة .

في السباق الرمضاني، تشير أغلب مؤشرات البحث بأن “موسي”  من بين الأكثر رواجاً عند الجمهور.  محمد رمضان  يدرك أن بينه والجمهور حالة ساخنة،  وأيضاً متناقضة،  حباً ورفضاً،  إقبالاً وإدباراً، تنتقل بإيقاع “الفيمتو ثانية” بين الجنة والنار. أحياناً يستفزهم  فتجد السوشيال ميديا وقد اشتعلت غضباً، ثم يصالحهم  بمسلسل أو  أغنية مثلاً،  فيغفرون له.  رمضان يريد أن يعبر العمل الفني عن أفكاره وأحلامه، مؤكداً صورته الذهنية عند جمهوره.

 كل ما ذكرته آنفاً يبدو  بمثابة نقاط ضعف ،  ورغم ذلك  فإن  أوراق الضعف هي نفسها أوراق  القوة. المسلسل يشعرك بأنه مكتوب وفي ذهن الكاتب أنه يرسم “بورتريه” لرمضان، والجمهور شريك أساسي في منح تلك الصورة  كل ظلالها .

 ألقى رمضان  هذا العام بورقة “موسى” في توقيت حرج جداً، بعد أن كان على بُعد خطوات من التوقيع على بطولة “نسل الأغراب” مقتسما البطولة مع أحمد السقا. وكعادته أراد أن  يوحي للجميع بالموافقة،  حتى ينشر الخبر فيحدث ضجة، ثم بعدها يعتذر ويسند المخرج محمد سامي دوره إلى  أمير كرارة ، فيكسب أيضاً “التريند”  بضجة أكبر.

ثم  ألقى رمضان  بورقة  “موسى”، ولا يمكن تصور أن المسلسل ظهر فجأة. كانت  لدى رمضان  خطة مسبقة للتعاون مع الكاتب  ناصر عبد الرحمن، الذي ارتبط بعدد من الأفلام  الجريئة مثل “هي فوضى” ليوسف شاهين  وخالد يوسف، وهو من أبناء الصعيد، يدرك تماماً  كل تفاصيل  البيئة. وانتظر  رمضان التوقيت المثالي   لإعلان اسم المسلسل. كل تلك التفاصيل تلعب دوراً إيجابياً في زيادة مساحة الشغف والترقب  .

الدراما  تتحرك  في العديد من   الدوائر الاجتماعية،  الأجانب والمصريين، الأثرياء والفقراء،الشرفاء واللصوص، القتلة والضحايا، كما أنه ينتقل من  الصعيد للقاهرة،  يقدم رؤية بانورامية  تخترق كل   المحددات،  الموسيقى الشرقية والغربية،  والرقصات  متعددة الهويات، وأيضاً اللغات الفرنسية والإنجليزية والإيطالية وغيرها،  كلها تنصهر في بوتقة واحدة، وهذا يمنح المسلسل تنوعاً وقدرة على الجذب.  تمكن المخرج الشاب الموهوب  محمد سلامة من توظيفها جيداً، محافظا على الإيقاع.

من أكثر المشاهد  التي مست الوجدان  علاقته بأمه التي أدت دورها عارفة عبد الرسول،  شاهدناه وهو يحملها  لمسافات بعيدة  بعد أن عجزت عن الحركة،  وشاهدناه وهو يستعطف من قيده داخل برميل  الأسمنت حتى يلحق بها ويمنحها  الدواء قبل أن ترحل،  وتابعناه أيضاً وهو ينتقم بقلب بارد ممن خانه  وأدى إلى  موت أمه.

الأحداث تتلاحق مع دخول سمية الخشاب (حلاوتهم ) في الحلقة الحادية عشر،  وبداية  اللقاء الذي قطعاً سيسفر عن تشابك عاطفي ، وعلى الفور سارع  رمضان بنشر صورة له وهو يحملها على يديه. اشتهر عن عادل إمام أنه يركل  أغلب البطلات اللاتي  تشاركنه  البطولة بينما يسعي رمضان لتحقيق رقم قياسي في  حمل النساء!

المخرج الشاب محمد سلامة   اقتنص باقتدار  فرصة العمر بهذا المسلسل، وتميز  سلامة بقدرته على ضبط الإيقاع، وتقديم حالة درامية تضع البطل دائماً في تحدٍ  ليقف  دوماً على الحافة.  وفي النهاية تضمن له الانتصار.

سلامة  يجيد  خلق  حالة التوتر وإضفاء التنوع  الموسيقي والغنائي والأدائي  داخل السياق الفني.  استوقفني  التنفيذ  الجيد لمشهد الفيضان، الذي أكد  تمتع المخرج بعين  إبداعية، كما أن مشاهد  رمضان وارتدائه الحذاء لأول مرة في حياته، قدمها بقدر كبير من الحميمية وخفة الظل،  ولكن عليه ضبط أداء سمية الخشاب، التي يبدو وكأنها تُقدم دور بنت البلد من الأرشيف بكل المبالغات  الحركية مع زيادة في حركة الرقبة صعوداً وهبوطاً، وهى  قطعاً مسؤولية المخرج  .

حتى الآن تشير الشاشة ، إلى أن “موسى” يتقدم  خطوات  داخل دائرة  الأكثر مشاهدة..  علينا أن ننتظر النصف الثاني من رمضان لنتأكد  هل المؤشر  لا يزال  متشبثا بموقعه؟!




Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى