أخبار العالم

تركيا.. استغلال وإفشال المفاوضات القبرصية

وتجري المفاوضات برعاية الجهات الخمسة الراعية لهذا المسار التفاوضي، تركيا واليونان وإيطاليا وبريطانيا والأمم المتحدة. حيث تتوخى هذه المفاوضات الوصول إلى حل نهائي بشأن جزيرة قبرص، المقسمة بين جزئها الجنوبي “اليوناني”، المُعترف به دولياً والدولة العضو في الاتحاد الأوروبي، والشمالي الذي تحتله تركيا عسكرياً منذ العام 1974 وأعلنته جمهورية مستقلة، لكن غير المُعترف بها إلا من قِبل تركيا.

وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو عبر خلال زيارته العاجلة إلى القسم الشمالي من الجزيرة قبل أيام (16 أبريل الجاري)، حيث كان واضحاً بأنها مخصصة لهذا الشأن، عبر عن عدم قبول تركيا أي شكل من التنازلات أو الحلول الوسطى بشأن المسألة القبرصية: “اتبعت تركيا والجمهورية التركية لشمال قبرص، استراتيجية بناءة للغاية وأكدتا حسن النية، لكن الجانب القبرصي اليوناني الذي لا يرغب في مشاركة شيء مع القبارصة الأتراك، وذلك بدعم من دولة اليونان”. زيارة وتصريحات الوزير التركي جاءت مترافقة مع زيارة وزير الخارجية اليوناني إلى تركيا، وظهور الخلافات الشديدة بين الدولتين حتى أثناء المؤتمر الصحفي المشترك بين وزيري الخارجية.

تتوزع الخلافات العميقة بين طرفي الجزيرة القبرصية راهناً على مستويين أثنين: ففيما تعرض دولة قبرص الشرعية “اليونانية” أنواعاً من الحُكم الذاتي والفيدرالية على تركيا ونظرائها في القسم الشمالي من الجزيرة، بهدف إعادة توحيدها، فأن تركيا من خلال المؤسسات السياسية التي أنشأتها في شمال الجزيرة، تعرض أن يكون تقسيم الجزيرة حلاً وحيداً لإنهاء حالة النزاع. وهو أمر عبر عنه وزير خارجية الجمهورية التركية لشمال قبرص تحسين إرتوغرولو أوغلو: “منظورنا للحل هو نموذج الدولتين القائم على مبدأ التعاون والتعايش بين دولتين ذواتي سيادة تتمتعان بحقوق متساوية.. أن المقترحات الفيدرالية المختلفة لجزيرة قبرص، والتي لم يتمكن القبارصة اليونانيون والأتراك من الاتفاق عليها خلال عقود من النفي، يجب ان لا يُركز عليها، فحل الدولتين الذي يتماشى مع سياسة الرئيس الجديد لجمهورية شمال قبرص التركية، إرسين تتار”.

 المستوى الثاني من الخلافات يتعلق بإمكانية إشراك الاتحاد الأوروبي كطرف راع لهذه المفاوضات، إلى جانب جهود الجهات الخمسة الراهنة. فالحسابات التركي ترى في المنظومة الأوربية داعماً قوياً لدولة قبرص الساعية لإعادة توحيد الجزيرة، لأنها عضو في المنظومة الأوربية، ولأن طروحاتها تخفف من مستويات الاحتقان شرق البحر المتوسط. كذلك فأن تركيا ترى توازناً ما في رعاة المفاوضات. ففي حين تقف اليونان وإيطاليا إلى جانب دولة قبرص الشرعية، فأنها ترى في نفسها وبريطانيا إمكانية معادلة ذلك النزوح، فيما الأمم المتحدة تعمل كجهة مُيسرة وراعية رسمياً للمفاوضات فحسب.

الباحث التركي في مؤسسة الشؤون الأوروبي فاتح دوران، والمقيم في العاصمة الألمانية برلين، شرح في اتصال مع سكاي نيوز الأسباب الدافعة لتركيا لإفشال المفاوضات الجارية راهناً: “لا يريد نظام الرئيس أردوغان إنهاء المسألة القبرصية بأي شكل، حتى لو كان الحل متوفراً ولصالح أبناء الجزيرة من الاتراك، لأن حدوث ذلك سيعني نهاية أي ارتباط واشتباك بينه وبين منطقة شرق المتوسط، وفعلياً مع كامل الاتحاد الأوروبي. فقبرص كانت طوال العقدين الكاملين من حُكم هذا التيار السياسي، أداة لخلق أنواع من الإثارة والابتزاز وفرض التفاوض من قِبل تركيا على المنظومة الأوربية”.

كانت آخر مفاوضات ثنائية قبرصية قد جرت برعاية الأمم المتحدة في صيف العام 2017، حيث لم تتوصل إلى أية نتيجة وقتئذ، واندلعت الخلافات التركية الأوربية بشأن أزمة المهاجرين وتلاها التوتر بشأن التنقيب عن الثروات الباطنية في منطقة شرق المتوسط، الأمران اللذان لم يسمحا بإعادة إحياء تلك المفاوضات.

 تعقد المشهد القبرصي خلال السنوات الأربعة الماضية الفاصلة بين جولتي المفاوضات هذه. فالسلطة الحاكمة لتركيا تغير سلوكها ونهجها السياسي تماماً، داخلياً أصبح أكثر قومياً وشمولياً، بحُكم التحالف بين حزب العدالة والتنمية والحركة القومية التركية “المتطرفة”. خارجياً أزادت مستويات صِدام تركيا مع القوى الإقليمية، بما في ذلك الأوربية. كذلك حدث تحول سياسي رئيسي داخل “دولة” شمال قبرص التركية. فقد خسرت القوى السياسية المناوئة لسلطة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والمُتطلعة لحلول توافقية بشأن انقسام الجزيرة القبرصية.

الباحث والكاتب اليوناني مايك خوستناروس أوضح لسكاي نيوز تطلعات الرئيس التركي من هذه المفاوضات، بالرغم من استراتيجيته النهائية الساعية لإفشالها: “تعتقد السياسة الخارجية التركية بأن تيسير إجراء المفاوضات يختلف تماماً عن وصلوها إلى أية نتيجة. فتركيا تريد أن يحدث التفاوض، لتخفيف الضغوط الدولية المُمارس عليها، بالذات من الاتحاد الأوربي والولايات المُتحدة، وكي لا تظهر كجهة معيقة لإيجاد حلول للملفات الإقليمية العالقة. فالضغوط الكبرى على الاقتصاد التركي منذ انتخاب الإدارة الأميركية الجديدة أنما تدفع تركيا للقبول بنوع من الليونة في إجراء المفاوضات، ولكن ليس من اجل إيصالها إلى أية نتيجة”.

Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى