منوعات

ما بعد الرحيل.. لماذا أحدثت نوال السعداوي كل هذا الصخب؟


روّت نوال السعداوي هذه الواقعة في مقدمة القصة التي نشرتها بعد استعادتها من أوراقها القديمة عام 1990، لتكون هذه الواقعة عنوانًا كبيرًا لرحلة طويلة من التمرد الفكري، قضتها بين “صفر” الرافضين لأفكارها، وتقدير واسع ممن يعتبرونها رائدة التنوير النسوي بالمنطقة.

وقدمت الكاتبة المصرية الراحلة، عبر مسيرتها الطويلة، آراءً جريئة ومثيرة في آن؛ أشعلت بها حرائق كثيرة، استعر لهيبها عقب وفاتها؛ لتضج ساحات النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي بنقاشات حادة في أغلبها، عن السعداوي ومنتجها الفكري، وصل الأمر بالبعض إلى تقرير مصيرها في العالم الآخر.

وفي خضم معاركها الفكرية، كان للسعداوي مواقف جدلية عديدة أغضبت الكثيرين، منها: انتقاد الحجاب والعري على السواء، رافضة بذلك تسليع جسد المرأة، وكذلك دفاعها عن حقوق المثليين، والدعوة إلى المساواة في الميراث بين الذكر والأنثى، ما جعلها تبدو في نظر البعض؛ امرأة تصطدم بثوابت اجتماعية ودينية متأصلة.

دوافع الصدام

الكاتب المصري أشرف راضي يفسر حالة الجدل التي أحدثتها السعداوي عبر مسيرتها الفكرة؛ إذ يرى أن منهجها قائم على فكرة الاصطدام الشديد بالمجتمع وثوابته بشكل عام، ليس فقط على مستوى حقوق المرأة، لكن على مستوى العقيدة والأفكار.

ويضيف راضي لموقع سكاي نيوز عربية أن القضية الأساسية لدى السعداوي كانت عملية الاضطهاد الطويلة التي تعرضت له المرأة عبر التاريخ، وكيف أن تصحيح مثل هذا الاضطهاد يمكن أن يحقق مجتمع عادل، مشيرًا إلى أن موقفها المتشدد من المعتقدات، كان ناجمًا عن أن تفسير الدين المتوارث يدعم تصور ذكوري لا ينصف المرأة، بحسب ما كانت ترى.

قضايا المرأة

ويرى راضي أن السعداوي قدمت أطروحات جذرية في قضية المرأة، بدءًا من كتاب “الأنثى هي الأصل”، مرورًا بـ “المرأة والجنس”، وصولًا لمسرحية “الإله يقدم استقالته في مؤتمر القمة”، ويصف الكاتب المصري هذه الأعمال بأنها تمثل جزء من إدراكها لأهمية قضية المرأة، والانقلاب الذي حدث ضدها، وهو ما شكل في النهاية مشروع السعداوي الفكري.

وأعلنت السعداوي غير مرة رفضها للحجاب، باعتباره “رمزًا سياسيًا خطيرًا لعبودية المرأة”، وبنفس المنطق لم ترتضِ أيضًا “تعرية الجسد”، باعتبار “التغطية أو التعرية” هي عملية تسليع لجسد المرأة، وهنا يوضح راضي أن الكاتبة الراحلة كانت ضد ثقافة اجتماعية كاملة تنظر للمرأة على أنها أداة للمتعة.

ويتابع: “هذا ما جعل السعداوي تتخذ موقفًا جذريًا من التفسيرات الدينية السائدة عن قضايا المرأة، بداية من عقود الزواج، وصولًا لما يسمى اغتصاب الزوجة؛ إذ كانت تعتبر الجسد هو جزء مكمل للإنسان وحريته وحقوقه، فلا يجوز انتهاك هذا الجسد تحت أي مسمى من المسميات دون موافقة أو رضاء“.

ويقول الكاتب المصري عن كتابات السعداوي إنها “كانت مقدمة لبرامج كبيرة جدًا، ساهمت في تحديث المجتمع مثل كفاحها ضد ختان الفتيات، بالتنسيق مع اليونيسيف، وغيرها من المؤسسات الدولية وكذلك زواج القصر“.

اضطراب فكري

على الجانب الآخر يقول الكاتب المصري، الدكتور خالد عزب، إن حدة طرح آراء الدكتورة نوال السعداوي، للدرجة التي يمكن وصفها بالتطرف أحيانًا مع الطرف الآخر، يمكن ردها إلى عدة أسباب لا تنفصل عن المناخ العام، فبعد أن حققت المرأة المصرية نجاحات من العشرينيات والخمسينيات، بداية من الحصول على حق الانتخاب ودخول البرلمان، حدث تراجع كبير بعد ذلك.

وفي حديثه لموقع سكاي نيوز عربية، يرجع عزب التراجع الذي حدث في قضايا المرأة إلى حقوق المرأة أصبح يجري تبنيها بداية من تلك الفترة بشكل فوقي من قبل السلطة، لا تتعلق بتغيير قناعات المجتمع نفسه، فأحدث هذا صدمة لدى النساء المتعلمات، ومنهم الدكتورة نوال السعداوي، ترتب عليها حدة طرح الآراء.

ويتابع: “ظهور السلفية في مصر ثم في المنطقة العربية، أدى إلى زيادة هذه الحدة بصورة أخرى، مع اختفاء النمط الوسطي، تحت الضغوط الاقتصادية، فتآكل الطبقة الوسطى لصالح الطبقتين الغنية والفقيرة، خلق حالة من حالات الاضطراب الفكري، وهو ما يتضح لدى السعداوي، فحتى الوسطية الأزهرية لم تكن تقبلها“.

خطاب احتجاجي

يصف عزب خطاب السعداوي بالخطاب الاحتجاجي الذي يهدف إلى إثارة الرأي العام وجذبه نحو بعض القضايا والإشكاليات التي يجب مناقشتها، مؤكدًا أن استطاع أن يستخلص هذا النتيجة بعد نقاشات طويلة معها، فهي كانت تقف ضد السلطوية بكل معانيها.

ويلفت الكاتب المصري، إلى أن السعداوي كان لديها حدود أيضًا في ما تطرح، فيقول إنها كانت ضد العلاقات خارج إطار الزواج؛ لافتًا إلى أنه طرح عليها هذا السؤال بشكل مباشر وأجابته برفض هذا النوع من العلاقات.

ويتابع: “السعداوي كانت ترى ضرورة وجود حد أدنى من القيم الإنسانية، وكانت تعتبر منظومة القيم بديلًا عن المعتقدات، لكن في نفس الوقت لم تقل يومًا إنها خرجت من الدين الإسلامي“.

ويعود عزب إلى معارك السعداوي الأولى، ويشير إلى أنها انتصرت في معركتي الختان، وزواج القصر، وهي القضايا التي لا يمكن أن يختلف حولها أحدًا“.

ويختتم الكاتب المصري حديثه لموقع سكاي نيوز عربية، قائلًا: “نتفق ونختلف مع الدكتورة نوال السعداوي فيما طرحته، لكنها في النهاية لديها إطار قيمي تتحرك فيه، مثل قيمة الصدق في كتابتها” مشيرًا إلى أن تلك الكتابات تُعتبر حركة احتجاجية ضد التعامل مع المرأة في المجتمعات العربية“.




Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى